الجصاص

88

الفصول في الأصول

عليه السلام ، كانت إذا حدثت لهن حوادث فيما خصهن من أمور النساء : أن الذي كان يسأل ( 1 ) النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أزواجهن ، ومن يقرب منهن ، وأنهن كن يقتصرن فيها على أخبار من خبرهن من هؤلاء ، ولم يكن النبي عليه السلام يكلفهن الحضور لذلك ، فدل على لزوم العمل بأخبار الآحاد . ويدل على ما ذكرناه من جهة النظر : اتفاق أهل العلم على لزوم العمل للمستفتي بما يخبر به المفتى ، من حكم الحادثة ، وعلى أن على المحكوم عليه التزام حكم الحاكم إذا حكم عليه بحكم ، ( 2 ) وذكر أنه مذهبه ، وقد ضمن ذلك من الأخبار عن اعتقاده ، ومذهبه الحكم الذي أمضاه عليه ، ومعلوم أنه لو كان اعتقاده بخلاف ما أظهر لما جاز حكمه ، وقد قبل الجميع خبره عن اعتقاده ، وذلك شئ من أمور الدين ، فصار أصلا في قبول خبر الواحد فيما كان من أمر الدين ، على الشرائط التي يجب قبوله عليها . وإذا كان المستفتي يلزمه قبول قول المفتي ، ويلزم المحكوم عليه حكم الحاكم إذا أخبرا ( 3 ) عن رأيهما واعتقادهما ، فإذا أخبر حكم النبي عليه السلام فيه ، فهو ( 4 ) أولى ( من قبول ) ( 5 ) خبر هما . ألا ترى : أن المفتي إذا قال : إن هذا أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو : كيت وكيت ، لزم المستفتي قبوله والعمل به ، فكذلك إذا قال ذلك لغير المستفتي لزم السامع حكمه ، والعمل به . فإن قال قائل : لو قال المستفتي للمفتي : إن هذا الحكم في القرآن ، لزمه قبول قوله ، وأنت لا تثبت القرآن بخبر الواحد ، فدل على أن هذا ليس كما ذكرت . قيل له : لا يثبت القرآن بخبر الواحد ، لأن القرآن لا يثبت إلا بخبر يوجب العلم به ، وأما الحكم : فإني أثبته ، وكلامنا في الحكم لا في غيره . فإن قال : إنما لزم المستفتي قبول خبر المفتى ، لأن العامي لا سبيل له إلى معرفة